حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
130
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
التسمية لطيفة ، وهي أنهم جعلوا المسمى صدر كل اسم منها إلا الألف فإنهم استعاروا الهمزة مكان مسماها ، لأنه لا يكون إلا ساكنا . ومما يضاهيها في إبداع اللفظ دلالة على المعنى البسملة والحيعلة والتهليل ونحوها . وحكم هذه الأسماء سكون الإعجاز ما لم تلها العوامل فيقال : ألف ، لام ، ميم موقوفا عليها لفقد مقتضى الإعراب نحو . واحد ، اثنان ، ثلاثة ، دار ، ثوب ، جارية . فإذا وليتها العوامل أدركها الإعراب نحو : هذه ألف ، وكتبت ألفا ، ونظرت إلى ألف . والدليل على أن سكونها وقف وليس ببناء أنها لو بنيت لحذي بها حذو « كيف » و « أين » و « هؤلاء » ولم يقل صاد ، قاف ، نون . مجموعا فيها بين الساكنين . وللناس في « ألم » وما يجري مجراه من فواتح السور قولان : أحدهما أن هذا علم مستور وسر محجوب استأثر اللّه به ، والتخاطب بالحروف المفردة سنة الأحباب في سنن المحاب ، فهو سر الحبيب مع الحبيب بحيث لا يطلع عليه الرقيب : بين المحبين سر ليس يفشيه * قول ولا قلم للخلق يحكيه عن أبي بكر ، في كل كتاب سر وسره في القرآن أوائل السور . وعن علي كرم اللّه وجهه : إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي ، وقال بعض العارفين : العلم كبحر أجري منه واد ، ثم أجري من الوادي نهر ، ثم أجري من النهر جدول ، ثم أجري من الجدول ساقية . فالوادي لا يحتمل البحر ، والنهر لا يحتمل الوادي ، ولهذا قال عزّ من قائل : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها [ الرعد : 17 ] فبحور العلم عند اللّه تعالى فأعطى الرسل منها أودية ، ثم أعطى الرسل من أوديتهم أنهارا إلى العلماء ، ثم أعطى العلماء إلى العامة جداول صغارا على قدر طاقتهم ، ثم أجرت العامة سواقي إلى أهاليهم بقدر طاقتهم ، وهذا مأخوذ مما ورد في الخبر « للعلماء سر وللخلفاء سر وللأنبياء سر وللملائكة سر وللّه من بعد ذلك كله سر . فلو اطلع الجهال على سر العلماء لأبادوهم ، ولو اطلع العلماء على سر الخلفاء لنابذوهم ، ولو اطلع الخلفاء على سر الأنبياء لخالفوهم ، ولو اطلع الأنبياء على سر الملائكة لاتهموهم ، ولو اطلع الملائكة على سر اللّه لطاحوا حائرين وبادوا بائدين » والسبب في ذلك أن العقول الضعيفة لا تحتمل الأسرار القوية كما لا يحتمل نور الشمس أبصار الخفافيش . وسئل الشعبي عن هذه الحروف فقال : سر اللّه فلا تطلبوه . وعن ابن عباس أنه قال : عجزت العلماء عن إدراكها . وقيل : هو من المتشابه . وزيف هذا القول بنحو قوله تعالى أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [ النساء : 82 ] تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [ النحل : 89 ] هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] وإنما يمكن التدبر ويكون تبيانا وهدى إذا كان مفهوما ، وبقول صلى اللّه عليه وسلم : « إني تركت